سورة ٱلتَّوْبَة
١٢٩ آية · مدنية
عن السورة
سورة التوبة هي السورة رقم ٩ في ترتيب المصحف، وهي سورة مدنية عدد آياتها ١٢٩ آية، وتقع في الأجزاء من ١٠ إلى ١١، في الصفحات ١٨٧–٢٠٧ من مصحف المدينة (٦٠٤ صفحات).
- ترتيبها في المصحف
- ٩
- اسمها
- التوبة
- نزولها
- مدنية
- عدد الآيات
- ١٢٩
- الجزء
- ١٠–١١
- الصفحات في المصحف
- ١٨٧–٢٠٧
تفسير الجلالين لجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، تحت كل آية.
بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ
١تفسير الجلالين: سُورَة التَّوْبَة [ مَدَنِيَّة إلّا الآيَتَيْنِ الأَخِيرَتَيْنِ فَمَكِّيَّتانِ وآياتها ١٢٩ نَزَلَتْ بَعْد المائِدَة ] ولَمْ تُكْتَب فِيها البَسْمَلَة لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُر بِذَلِكَ كَما يُؤْخَذ مِن حَدِيث رَواهُ الحاكِم وأَخْرَجَ فِي مَعْناهُ عَنْ عَلِيّ أنَّ البَسْمَلَة أمان وهِيَ نَزَلَتْ لِرَفْعِ الأَمْن بِالسَّيْفِ وعَنْ حُذَيْفَة (إنّكُمْ تُسَمُّونَها سُورَة التَّوْبَة وهِيَ سُورَة العَذاب ورَوى البُخارِيّ عَنْ البَراء أنَّها آخِر سُورَة نَزَلَتْ. هَذِهِ ﴿بَراءَة مِن اللَّه ورَسُوله﴾ واصِلَة ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِن المُشْرِكِينَ﴾ عَهْدًا مُطْلَقًا أوْ دُون أرْبَعَة أشْهُر أوْ فَوْقها ونَصّ العَهْد بِما يُذْكَر فِي قَوْله:
فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ
٢تفسير الجلالين: ﴿فَسِيحُوا﴾ سِيرُوا آمِنِينَ أيّها المُشْرِكُونَ ﴿فِي الأَرْض أرْبَعَة أشْهُر﴾ أوَّلها شَوّال بِدَلِيلِ ما سَيَأْتِي ولا أمان لَكُمْ بَعْدها ﴿واعْلَمُوا أنَّكُمْ غَيْر مُعْجِزِي اللَّه﴾ أيْ فائِتِي عَذابه ﴿وأَنَّ اللَّه مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ مُذِلّهمْ فِي الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأُخْرى بِالنّارِ
وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٣تفسير الجلالين: ﴿وأَذان﴾ إعْلام ﴿مِن اللَّه ورَسُوله إلى النّاس يَوْم الحَجّ الأَكْبَر﴾ يَوْم النَّحْر ﴿أنَّ﴾ أيْ بِأَنَّ ﴿اللَّه بَرِيء مِن المُشْرِكِينَ﴾ وعُهُودهمْ ﴿ورَسُوله﴾ بَرِيء أيْضًا "وقَدْ بَعَثَ النَّبِيّ ﷺ عَلِيًّا مِن السَّنَة وهِيَ سَنَة تِسْع فَأَذَّنَ يَوْم النَّحْر بِمِنًى بِهَذِهِ الآيات وأَنْ لا يَحُجّ بَعْد العام مُشْرِك ولا يَطُوف بِالبَيْتِ عُرْيان. رَواهُ البُخارِيّ ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ مِن الكُفْر ﴿فَهُوَ خَيْر لَكُمْ وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَنْ الإيمان ﴿فاعْلَمُوا أنَّكُمْ غَيْر مُعْجِزِي اللَّه وبَشِّرْ﴾ أخْبِرْ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيم﴾ مُؤْلِم وهُوَ القَتْل والأَسْر فِي الدُّنْيا والنّار فِي الآخِرَة
إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ
٤تفسير الجلالين: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِن المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ مِن شُرُوط العَهْد ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا﴾ يُعاوِنُوا ﴿عَلَيْكُمْ أحَدًا﴾ مِن الكُفّار ﴿فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدهمْ إلى﴾ انْقِضاء ﴿مُدَّتهمْ﴾ الَّتِي عاهَدْتُمْ عَلَيْها ﴿إنّ اللَّه يُحِبّ المُتَّقِينَ﴾ بِإتْمامِ العُهُود
فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
٥تفسير الجلالين: ﴿فَإذا انْسَلَخَ﴾ خَرَجَ ﴿الأَشْهُر الحُرُم﴾ وهِيَ آخِر مُدَّة التَّأْجِيل ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ فِي حِلّ أوْ حَرَم ﴿وخُذُوهُمْ﴾ بِالأَسْرِ ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ فِي القِلاع والحُصُون حَتّى يُضْطَرُّوا إلى القَتْل أوْ الإسْلام ﴿واقْعُدُوا لَهُمْ كُلّ مَرْصَد﴾ طَرِيق يَسْلُكُونَهُ ونُصِبَ كُلّ عَلى نَزْع الخافِض ﴿فَإنْ تابُوا﴾ مِن الكُفْر ﴿وأَقامُوا الصَّلاة وآتَوْا الزَّكاة فَخَلُّوا سَبِيلهمْ﴾ ولا تَتَعَرَّضُوا لَهُمْ ﴿إنّ اللَّه غَفُور رَحِيم﴾ لِمَن تابَ
وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ
٦تفسير الجلالين: ﴿وإنْ أحَد مِن المُشْرِكِينَ﴾ مَرْفُوع بِفِعْلٍ يُفَسِّرهُ ﴿اسْتَجارَك﴾ اسْتَأْمَنَك مِن القَتْل ﴿فَأَجِرْهُ﴾ أمِّنْهُ ﴿حَتّى يَسْمَع كَلام اللَّه﴾ القُرْآن ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنه﴾ وهُوَ دار قَوْمه إنْ لَمْ يُؤْمِن لِيَنْظُر فِي أمْره ﴿ذَلِكَ﴾ المَذْكُور ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْم لا يَعْلَمُونَ﴾ دِين اللَّه فَلا بُدّ لَهُمْ مِن سَماع القُرْآن لِيَعْلَمُوا
كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ
٧تفسير الجلالين: ﴿كَيْفَ﴾ أيْ لا ﴿يَكُون لِلْمُشْرِكِينَ عَهْد عِنْد اللَّه وعِنْد رَسُوله﴾ وهُمْ كافِرُونَ بِاللَّهِ ورَسُوله غادِرُونَ ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْد المَسْجِد الحَرام﴾ يَوْم الحُدَيْبِيَة وهُمْ قُرَيْش المُسْتَثْنَوْنَ مِن قَبْل ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ أقامُوا عَلى العَهْد ولَمْ يَنْقُضُوهُ وما شَرْطِيَّة ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إنّ اللَّه يُحِبّ المُتَّقِينَ﴾ عَلى الوَفاء بِهِ وقَدْ اسْتَقامَ النَّبِيّ ﷺ عَلى عَهْدهمْ حَتّى نَقَضُوا بِإعانَةِ بَنِي بَكْر عَلى خُزاعَة
كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ
٨تفسير الجلالين: ﴿كَيْفَ﴾ يَكُون لَهُمْ عَهْد ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يَظْفَرُوا بِكُمْ وجُمْلَة الشَّرْط حال ﴿لا يَرْقُبُوا﴾ يُراعُوا ﴿فِيكُمْ إلًّا﴾ قَرابَة ﴿ولا ذِمَّة﴾ عَهْدًا بَلْ يُؤْذُوكُمْ ما اسْتَطاعُوا ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ بِكَلامِهِمْ الحَسَن ﴿وتَأْبى قُلُوبهمْ﴾ الوَفاء بِهِ ﴿وأَكْثَرهمْ فاسِقُونَ﴾ ناقِضُونِ لِلْعَهْدِ
ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
٩تفسير الجلالين: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّه﴾ القُرْآن ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ مِن الدُّنْيا أيْ تَرَكُوا اتِّباعها لِلشَّهَواتِ والهَوى ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيله﴾ دِينه ﴿إنّهُمْ ساءَ﴾ بِئْسَ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَـ﴾ ـهُ عَمَلهمْ هَذا
لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ
١٠فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ
١١تفسير الجلالين: ﴿فَإنْ تابُوا وأَقامُوا الصَّلاة وآتَوْا الزَّكاة فَإخْوانكُمْ﴾ أيْ فَهُمْ إخْوانكُمْ ﴿فِي الدِّين ونُفَصِّل﴾ نُبَيِّن ﴿الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يَتَدَبَّرُونَ
وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ
١٢تفسير الجلالين: ﴿وإنْ نَكَثُوا﴾ نَقَضُوا ﴿أيْمانهمْ﴾ مَواثِيقهمْ ﴿مِن بَعْد عَهْدهمْ وطَعَنُوا فِي دِينكُمْ﴾ عابُوهُ ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّة الكُفْر﴾ رُؤَساءَهُ فِيهِ وضْع الظّاهِر مَوْضِع المُضْمَر ﴿إنّهُمْ لا أيْمان﴾ عُهُود ﴿لَهُمْ﴾ وفِي قِراءَة بِالكَسْرِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ عَنْ الكُفْر
أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ
١٣تفسير الجلالين: ﴿ألا﴾ لِلتَّحْضِيضِ ﴿تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا﴾ نَقَضُوا ﴿أيْمانهمْ﴾ عُهُودهمْ ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُول﴾ مِن مَكَّة لَمّا تَشاوَرُوا فِيهِ بِدارِ النَّدْوَة ﴿وهُمْ بَدَءُوكُمْ﴾ بِالقِتالِ ﴿أوَّل مَرَّة﴾ حَيْثُ قاتَلُوا خُزاعَة حُلَفاءَكُمْ مَعَ بَنِي بَكْر فَما يَمْنَعكُمْ أنْ تُقاتِلُوهُمْ ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أتَخافُونَهُمْ ﴿فاللَّه أحَقّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ فِي تَرْك قِتالهمْ
قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ
١٤تفسير الجلالين: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبهُمْ اللَّه﴾ يَقْتُلهُمْ ﴿بِأَيْدِيكُمْ ويُخْزِهِمْ﴾ يُذِلّهُمْ بِالأَسْرِ والقَهْر ﴿ويَنْصُركُمْ عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُور قَوْم مُؤْمِنِينَ﴾ بِما فَعَلَ بِهِمْ هُمْ بَنُو خُزاعَة
وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١٥تفسير الجلالين: ﴿ويُذْهِب غَيْظ قُلُوبهمْ﴾ كَرْبها ﴿ويَتُوب اللَّه عَلى مَن يَشاء﴾ بِالرُّجُوعِ إلى الإسْلام كَأَبِي سُفْيان
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ
١٦تفسير الجلالين: ﴿أمْ﴾ بِمَعْنى هَمْزَة الإنْكار ﴿حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا﴾ لَمْ ﴿يَعْلَم اللَّه﴾ عِلْم ظُهُور ﴿الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ بِإخْلاصٍ ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُون اللَّه ولا رَسُوله ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَة﴾ بِطانَة وأَوْلِياء المَعْنى ولَمْ يَظْهَر المُخْلِصُونَ وهُمْ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن غَيْرهمْ
مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ
١٧تفسير الجلالين: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِد اللَّه﴾ بِالإفْرادِ والجَمْع بِدُخُولِهِ والقُعُود فِيهِ ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسهمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ﴾ بَطَلَتْ ﴿أعْمالهمْ﴾ لِعَدَمِ شَرْطها
إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ
١٨تفسير الجلالين: ﴿إنّما يَعْمُر مَساجِد اللَّه مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْم الآخِر وأَقامَ الصَّلاة وآتى الزَّكاة ولَمْ يَخْشَ﴾ أحَدًا
۞أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ
١٩تفسير الجلالين: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَة الحاجّ وعِمارَة المَسْجِد الحَرام﴾ أيْ أهْل ذَلِكَ ﴿كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْم الآخِر وجاهَدَ فِي سَبِيل اللَّه لا يَسْتَوُونَ عِنْد اللَّه﴾ فِي الفَضْل ﴿واللَّه لا يَهْدِي القَوْم الظّالِمِينَ﴾ الكافِرِينَ نَزَلَتْ رَدًّا عَلى مَن قالَ ذَلِكَ وهُوَ العَبّاس أوْ غَيْره
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ
٢٠تفسير الجلالين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسهمْ أعْظَم دَرَجَة﴾ رُتْبَة ﴿عِنْد اللَّه﴾ مِن غَيْرهمْ ﴿وأُولَئِكَ هُمْ الفائِزُونَ﴾ الظّافِرُونَ بِالخَيْرِ
يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّـٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ
٢١تفسير الجلالين: ﴿يُبَشِّرهُمْ رَبّهمْ بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوان وجَنّات لَهُمْ فِيها نَعِيم مُقِيم﴾ دائِم
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ
٢٢تفسير الجلالين: ﴿خالِدِينَ﴾ حال مُقَدَّرَة
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ
٢٣تفسير الجلالين: ونَزَلَ فِيمَن تَرَكَ الهِجْرَة لِأَجْلِ أهْله وتِجارَته ﴿يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وإخْوانكُمْ أوْلِياء إنْ اسْتَحَبُّوا﴾ اخْتارُوا
قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ
٢٤تفسير الجلالين: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأَبْناؤُكُمْ وإخْوانكُمْ وأَزْواجكُمْ وعَشِيرَتكُمْ﴾ أقْرِباؤُكُمْ وفِي قِراءَة عَشِيراتكُمْ ﴿وأَمْوال اقْتَرَفْتُمُوها﴾ اكْتَسَبْتُمُوها ﴿وتِجارَة تَخْشَوْنَ كَسادها﴾ عَدَم نَفادها ﴿ومَساكِن تَرْضَوْنَها أحَبّ إلَيْكُمْ مِن اللَّه ورَسُوله وجِهاد فِي سَبِيله﴾ فَقَعَدْتُمْ لِأَجْلِهِ عَنْ الهِجْرَة والجِهاد ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ انْتَظِرُوا ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّه بِأَمْرِهِ﴾ تَهْدِيد لَهُمْ
لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ
٢٥تفسير الجلالين: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّه فِي مَواطِن﴾ لِلْحَرْبِ ﴿كَثِيرَة﴾ كَبَدْرٍ وقُرَيْظَة والنَّضِير ﴿و﴾ اُذْكُرْ ﴿يَوْم حُنَيْن﴾ وادٍ بَيْن مَكَّة والطّائِف أيْ يَوْم قِتالكُمْ فِيهِ هَوازِن وذَلِك فِي شَوّال سَنَة ثَمان ﴿إذْ﴾ بَدَل مِن يَوْم ﴿أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتكُمْ﴾ فَقُلْتُمْ لَنْ نُغْلَب اليَوْم مِن قِلَّة وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا والكُفّار أرْبَعَة آلاف ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْض بِما رَحُبَتْ﴾ ما مَصْدَرِيَّة أيْ مَعَ رَحْبها أيْ سِعَتها فَلَمْ تَجِدُوا مَكانًا تَطْمَئِنُّونَ إلَيْهِ لِشِدَّةِ ما لَحِقَكُمْ مِن الخَوْف ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ مُنْهَزِمِينَ وثَبَتَ النَّبِيّ ﷺ عَلى بَغْلَته البَيْضاء ولَيْسَ مَعَهُ غَيْر العَبّاس وأَبُو سُفْيان آخِذ بِرِكابِهِ
ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ
٢٦تفسير الجلالين: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّه سَكِينَته﴾ طُمَأْنِينَته ﴿عَلى رَسُوله وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فَرَدُّوا إلى النَّبِيّ ﷺ لَمّا ناداهُمْ العَبّاس بِإذْنِهِ وقاتَلُوا ﴿وأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ مَلائِكَة ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالقَتْلِ والأَسْر
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
٢٧تفسير الجلالين: ﴿ثُمَّ يَتُوب اللَّه مِن بَعْد ذَلِكَ عَلى مَن يَشاء﴾ مِنهُمْ بِالإسْلامِ
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ
٢٨تفسير الجلالين: ﴿يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا إنّما المُشْرِكُونَ نَجَس﴾ قَذَر لِخُبْثِ باطِنهمْ ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِد الحَرام﴾ أيْ لا يَدْخُلُوا الحَرَم ﴿بَعْد عامهمْ هَذا﴾ عام تِسْع مِن الهِجْرَة ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَة﴾ فَقْرًا بِانْقِطاعِ تِجارَتهمْ عَنْكُمْ ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّه مِن فَضْله إنْ شاءَ﴾ وقَدْ أغْناهُمْ بِالفُتُوحِ والجِزْيَة
قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ
٢٩تفسير الجلالين: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِر﴾ وإلّا لَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّه ورَسُوله﴾ كالخَمْرِ ﴿ولا يَدِينُونَ دِين الحَقّ﴾ الثّابِت النّاسِخ لِغَيْرِهِ مِن الأَدْيان وهُوَ دِين الإسْلام ﴿مِن﴾ بَيان لِلَّذِينَ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتاب﴾ أيْ اليَهُود والنَّصارى ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَة﴾ الخَراج المَضْرُوب عَلَيْهِمْ كُلّ عام ﴿عَنْ يَد﴾ حال أيْ مُنْقادِينَ أوْ بِأَيْدِيهِمْ لا يُوَكَّلُونَ بِها ﴿وهُمْ صاغِرُونَ﴾ أذِلّاء مُنْقادُونَ لِحُكْمِ الإسْلام
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ
٣٠تفسير الجلالين: ﴿وقالَتْ اليَهُود عُزَيْر ابْن اللَّه وقالَتْ النَّصارى المَسِيح﴾ عِيسى ﴿ابْن اللَّه ذَلِكَ قَوْلهمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ لا مُسْتَنِد لَهُمْ عَلَيْهِ بَلْ ﴿يُضاهِئُونَ﴾ يُشابِهُونَ بِهِ ﴿قَوْل الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْل﴾ مِن آبائِهِمْ تَقْلِيدًا لَهُمْ ﴿قاتَلَهُمْ﴾ لَعَنَهُمْ ﴿اللَّه أنّى﴾ كَيْفَ ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يُصْرَفُونَ عَنْ الحَقّ مَعَ قِيام الدَّلِيل
ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ
٣١تفسير الجلالين: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارهمْ﴾ عُلَماء اليَهُود ﴿ورُهْبانهمْ﴾ عُبّاد النَّصارى ﴿أرْبابًا مِن دُون اللَّه﴾ حَيْثُ اتَّبَعُوهُمْ فِي تَحْلِيل ما حَرَّمَ اللَّه وتَحْرِيم ما أحَلَّ ﴿والمَسِيح ابْن مَرْيَم وما أُمِرُوا﴾ فِي التَّوْراة والإنْجِيل ﴿إلّا لِيَعْبُدُوا﴾ أيْ بِأَنْ يَعْبُدُوا ﴿إلَهًا واحِدًا لا إلَه إلّا هُوَ سُبْحانه﴾ تَنْزِيهًا لَهُ
يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ
٣٢تفسير الجلالين: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُور اللَّه﴾ شَرْعه وبَراهِينه ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾ بِأَقْوالِهِمْ فِيهِ ﴿ويَأْبى اللَّه إلّا أنْ يُتِمّ﴾ يُظْهِر ﴿نُوره ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ذَلِكَ
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ
٣٣تفسير الجلالين: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُوله﴾ مُحَمَّدًا ﷺ ﴿بِالهُدى ودِين الحَقّ لِيُظْهِرهُ﴾ يُعْلِيه ﴿عَلى الدِّين كُلّه﴾ جَمِيع الأَدْيان المُخالِفَة لَهُ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ ذَلِكَ
۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ
٣٤تفسير الجلالين: ﴿يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا إنّ كَثِيرًا مِن الأَحْبار والرُّهْبان لَيَأْكُلُونَ﴾ يَأْخُذُونَ ﴿أمْوال النّاس بِالباطِلِ﴾ كالرِّشا فِي الحُكْم ﴿ويَصُدُّونَ﴾ النّاس ﴿عَنْ سَبِيل اللَّه﴾ دِينه ﴿والَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأ ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَب والفِضَّة ولا يُنْفِقُونَها﴾ أيْ الكُنُوز ﴿فِي سَبِيل اللَّه﴾ أيْ لا يُؤَدُّونَ مِنها حَقّه مِن الزَّكاة والخَبَر ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ أخْبِرْهُمْ ﴿بِعَذابٍ ألِيم﴾ مُؤْلِم
يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ
٣٥تفسير الجلالين: ﴿يَوْم يُحْمى عَلَيْها فِي نار جَهَنَّم فَتُكْوى﴾ تُحْرَق ﴿بِها جِباههمْ وجُنُوبهمْ وظُهُورهمْ﴾ وتُوَسِّع جُلُودهمْ حَتّى تُوضَع عَلَيْها كُلّها ويُقال لَهُمْ ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أيْ جَزاءَهُ
إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ
٣٦تفسير الجلالين: ﴿إنّ عِدَّة الشُّهُور﴾ المُعْتَدّ بِها لِلسَّنَةِ ﴿عِنْد اللَّه اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتاب اللَّه﴾ اللَّوْح المَحْفُوظ ﴿يَوْم خَلَقَ السَّماوات والأَرْض مِنها﴾ أيْ الشُّهُور ﴿أرْبَعَة حُرُم﴾ مُحَرَّمَة ذُو القَعْدَة وذُو الحِجَّة والمُحَرَّم ورَجَب ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ تَحْرِيمها ﴿الدِّين القَيِّم﴾ المُسْتَقِيم ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ أيْ الأَشْهُر الحُرُم ﴿أنْفُسكُمْ﴾ بِالمَعاصِي فَإنَّها فِيها أعْظَم وِزْرًا وقِيلَ فِي الأَشْهُر كُلّها ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّة﴾ جَمِيعًا فِي كُلّ الشُّهُور ﴿كَما يُقاتِلُونَكُمْ كافَّة واعْلَمُوا أنَّ اللَّه مَعَ المُتَّقِينَ﴾ بِالعَوْنِ والنَّصْر
إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ
٣٧تفسير الجلالين: ﴿إنّما النَّسِيء﴾ أيْ التَّأْخِير لِحُرْمَةِ شَهْر إلى آخَر كَما كانَتْ الجاهِلِيَّة تَفْعَلهُ مِن تَأْخِير حُرْمَة المُحَرَّم إذا هَلَّ وهُمْ فِي القِتال إلى صَفَر ﴿زِيادَة فِي الكُفْر﴾ لِكُفْرِهِمْ بِحُكْمِ اللَّه فِيهِ ﴿يُضَلّ﴾ بِضَمِّ الياء وفَتْحها ﴿بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ﴾ أيْ النَّسِيء ﴿عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا﴾ يُوافِقُوا بِتَحْلِيلِ شَهْر وتَحْرِيم آخَر بَدَله ﴿عِدَّة﴾ عَدَد ﴿ما حَرَّمَ اللَّه﴾ مِن الأَشْهُر فَلا يَزِيدُوا عَلى تَحْرِيم أرْبَعَة ولا يَنْقُصُوا ولا يَنْظُرُوا إلى أعْيانها ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّه زُيِّنَ لَهُمْ سُوء أعْمالهمْ﴾ فَظَنُّوهُ حَسَنًا
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
٣٨تفسير الجلالين: ونَزَلَ لَمّا دَعا النَّبِيّ ﷺ النّاس إلى غَزْوَة تَبُوك وكانُوا فِي عُسْرَة وشِدَّة حَرّ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ﴿يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إذا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيل اللَّه اثّاقَلْتُمْ﴾ بِإدْغامِ التّاء فِي الأَصْل فِي المُثَلَّثَة واجْتِلاب هَمْزَة الوَصْل أيْ تَباطَأْتُمْ ومِلْتُمْ عَنْ الجِهاد ﴿إلى الأَرْض﴾ والقُعُود فِيها ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَذّاتها والِاسْتِفْهام لِلتَّوْبِيخِ ﴿مِن الآخِرَة﴾ أيْ بَدَل نَعِيمها ﴿فَما مَتاع الحَياة الدُّنْيا فِي﴾ جَنْب مَتاع ﴿الآخِرَة إلّا قَلِيل﴾ حَقِير
إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ
٣٩تفسير الجلالين: ﴿إلّا﴾ بِإدْغامِ لا فِي نُون إنْ الشَّرْطِيَّة فِي المَوْضِعَيْنِ ﴿تَنْفِرُوا﴾ تَخْرُجُوا مَعَ النَّبِيّ ﷺ لِلْجِهادِ ﴿يُعَذِّبكُمْ عَذابًا ألِيمًا﴾ مُؤْلِمًا ﴿ويَسْتَبْدِل قَوْمًا غَيْركُمْ﴾ أيْ يَأْتِ بِهِمْ بَدَلكُمْ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ أيْ اللَّه أوْ النَّبِيّ ﷺ ﴿شَيْئًا﴾ بِتَرْكِ نَصْره فَإنَّ اللَّه ناصِر دِينه ﴿واللَّه عَلى كُلّ شَيْء قَدِير﴾ ومِنهُ نَصْر دِينه ونَبِيّه
إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٤٠تفسير الجلالين: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ﴾ أيْ النَّبِيّ ﷺ ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّه إذْ﴾ حِين ﴿أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن مَكَّة أيْ ألْجَئُوهُ إلى الخُرُوج لَمّا أرادُوا قَتْله أوْ حَبْسه أوْ نَفْيه بِدارِ النَّدْوَة ﴿ثانِي اثْنَيْنِ﴾ حال أيْ أحَد اثْنَيْنِ والآخَر أبُو بَكْر - المَعْنى نَصَرَهُ اللَّه فِي مِثْل تِلْكَ الحالَة فَلا يَخْذُلهُ فِي غَيْرها - ﴿إذْ﴾ بَدَل مِن إذْ قَبْله ﴿هُما فِي الغار﴾ نَقْب فِي جَبَل ثَوْر ﴿إذْ﴾ بَدَل ثانٍ ﴿يَقُول لِصاحِبِهِ﴾ أبِي بَكْر وقَدْ قالَ لَهُ لَمّا رَأى أقْدام المُشْرِكِينَ: لَوْ نَظَرَ أحَدهمْ تَحْت قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنا ﴿لا تَحْزَن إنّ اللَّه مَعَنا﴾ بِنَصْرِهِ ﴿فَأَنْزَلَ اللَّه سَكِينَته﴾ طُمَأْنِينَته ﴿عَلَيْهِ﴾ قِيلَ عَلى النَّبِيّ ﷺ وقِيلَ عَلى أبِي بَكْر ﴿وأَيَّدَهُ﴾ أيْ النَّبِيّ ﷺ ﴿بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ مَلائِكَة فِي الغار ومَواطِن قِتاله ﴿وجَعَلَ كَلِمَة الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ دَعْوَة الشِّرْك ﴿السُّفْلى﴾ المَغْلُوبَة ﴿وكَلِمَة اللَّه﴾ أيْ كَلِمَة الشَّهادَة ﴿هِيَ العُلْيا﴾ الظّاهِرَة الغالِبَة ﴿واللَّه عَزِيز﴾ فِي مُلْكه ﴿حَكِيم﴾ فِي صُنْعه
ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ
٤١تفسير الجلالين: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ نَشاطًا وغَيْر نَشاط وقِيلَ أقْوِياء وضُعَفاء أوْ أغْنِياء وفُقَراء وهِيَ مَنسُوخَة بِآيَةِ ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاء﴾ ﴿وجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وأَنْفُسكُمْ فِي سَبِيل اللَّه ذَلِكُمْ خَيْر لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ خَيْر لَكُمْ فَلا تَثّاقَلُوا
لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ
٤٢تفسير الجلالين: ﴿لَوْ كانَ﴾ ما دَعَوْتهمْ إلَيْهِ، ونَزَلَ فِي المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا ﴿عَرَضًا﴾ مَتاعًا مِن الدُّنْيا ﴿قَرِيبًا﴾ سَهْل المَأْخَذ ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ وسَطًا ﴿لاتَّبَعُوك﴾ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّة﴾ المَسافَة فَتَخَلَّفُوا ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ ﴿لَوْ اسْتَطَعْنا﴾ الخُرُوج ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أنْفُسهمْ﴾ بِالحَلِفِ الكاذِب ﴿واللَّه يَعْلَم إنّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ فِي قَوْلهمْ ذَلِكَ
عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ
٤٣تفسير الجلالين: وكانَ ﷺ أذَّنَ لِجَماعَةٍ فِي التَّخَلُّف بِاجْتِهادٍ مِنهُ فَنَزَلَ عِتابًا لَهُ وقَدَّمَ العَفْو تَطْمِينًا لِقَلْبِهِ ﴿عَفا اللَّه عَنْك لِمَ أذِنْت لَهُمْ﴾ فِي التَّخَلُّف وهَلّا تَرَكْتهمْ، ﴿حَتّى يَتَبَيَّن لَك الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فِي العُذْر ﴿وتَعْلَم الكاذِبِينَ﴾ فِيهِ
لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ
٤٤تفسير الجلالين: ﴿لا يَسْتَأْذِنك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْم الآخِر﴾ فِي التَّخَلُّف عَنْ ﴿أنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسهمْ﴾
إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ
٤٥تفسير الجلالين: ﴿إنّما يَسْتَأْذِنك﴾ فِي التَّخَلُّف ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْم الآخِر وارْتابَتْ﴾ شَكَّتْ ﴿قُلُوبهمْ﴾ فِي الدِّين ﴿فَهُمْ فِي رَيْبهمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ يَتَحَيَّرُونَ
۞وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ
٤٦تفسير الجلالين: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوج﴾ مَعَك ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّة﴾ أُهْبَة مِن الآلَة والزّاد ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّه انْبِعاثهمْ﴾ أيْ لَمْ يُرِدْ خُرُوجهمْ ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ كَسَّلَهُمْ ﴿وقِيلَ﴾ وقِيلَ لَهُمْ ﴿اُقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ المَرْضى والنِّساء والصِّبْيان أيْ قَدَّرَ اللَّه تَعالى ذَلِكَ
لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّـٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ
٤٧تفسير الجلالين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إلّا خَبالًا﴾ فَسادُوا بِتَخْذِيلِ المُؤْمِنِينَ ﴿ولَأَوْضَعُوا خِلالكُمْ﴾ أيْ أسْرَعُوا بَيْنكُمْ بِالمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ ﴿يَبْغُونَكُمْ﴾ يَطْلُبُونَ لَكُمْ ﴿الفِتْنَة﴾ بِإلْقاءِ العَداوَة ﴿وفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ ما يَقُولُونَ سَماع قَبُول
لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ
٤٨تفسير الجلالين: ﴿لَقَدْ ابْتَغَوْا﴾ لَك ﴿الفِتْنَة مِن قَبْل﴾ أوَّل ما قَدِمْت المَدِينَة ﴿وقَلَبُوا لَك الأُمُور﴾ أيْ أجالُوا الفِكْر فِي كَيْدك وإبْطال دِينك ﴿حَتّى جاءَ الحَقّ﴾ النَّصْر ﴿وظَهَرَ﴾ عَزَّ ﴿أمْر اللَّه﴾ دِينه ﴿وهُمْ كارِهُونَ﴾ لَهُ فَدَخَلُوا فِيهِ ظاهِرًا
وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ
٤٩تفسير الجلالين: ﴿ومِنهُمْ مَن يَقُول ائْذَنْ لِي﴾ فِي التَّخَلُّف ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ وهُوَ الجَدّ بْن قَيْس قالَ لَهُ النَّبِيّ ﷺ: "هَلْ لَك فِي جَلّاد بَنِي الأَصْفَر ؟" فَقالَ: إنِّي مُغْرَم بِالنِّساءِ وأَخْشى إنْ رَأَيْت نِساء بَنِي الأَصْفَر أنْ لا أصْبِر عَنْهُنَّ فَأُفْتَتَن ﴿ألا فِي الفِتْنَة سَقَطُوا﴾ بِالتَّخَلُّفِ وقُرِئَ سَقَطَ ﴿وإنَّ جَهَنَّم لَمُحِيطَة بِالكافِرِينَ﴾ لا مَحِيص لَهُمْ عَنْها
إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ
٥٠تفسير الجلالين: ﴿إنْ تُصِبْك حَسَنَة﴾ كَنَصْرٍ وغَنِيمَة ﴿تَسُوءهُمْ وإنْ تُصِبْك مُصِيبَة﴾ شِدَّة ﴿يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرنا﴾ بِالحَزْمِ حِين تَخَلَّفْنا ﴿مِن قَبْل﴾ قَبْل هَذِهِ المَعْصِيَة ﴿ويَتَوَلَّوْا وهُمْ فَرِحُونَ﴾ بِما أصابَك
قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ
٥١تفسير الجلالين: ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ ﴿لَنْ يُصِيبنا إلّا ما كَتَبَ اللَّه لَنا﴾ إصابَته ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ ناصِرنا ومُتَوَلِّي أُمُورنا
قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ
٥٢تفسير الجلالين: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ فِيهِ حَذْف إحْدى التّاءَيْنِ مِن الأَصْل أيْ تَنْتَظِرُونَ أنْ يَقَع ﴿بِنا إلّا إحْدى﴾ العاقِبَتَيْنِ ﴿الحُسْنَيَيْنِ﴾ تَثْنِيَة حُسْنى تَأْنِيث أحْسَن: النَّصْر أوْ الشَّهادَة ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّص﴾ نَنْتَظِر ﴿بِكُمْ أنْ يُصِيبكُمْ اللَّه بِعَذابٍ مِن عِنْده﴾ بِقارِعَةٍ مِن السَّماء ﴿أوْ بِأَيْدِينا﴾ بِأَنْ يُؤْذِن لَنا فِي قِتالكُمْ ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ بِنا ذَلِكَ ﴿إنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ عاقِبَتكُمْ
قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ
٥٣تفسير الجلالين: ﴿قُلْ أنْفِقُوا﴾ فِي طاعَة اللَّه ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّل مِنكُمْ﴾ ما أنْفَقْتُمُوهُ والأَمْر هُنا بِمَعْنى الخَبَر
وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ
٥٤تفسير الجلالين: ﴿وما مَنَعَهُمْ أنْ تُقْبَل﴾ بِالتّاءِ والياء ﴿مِنهُمْ نَفَقاتهمْ إلّا﴾ فاعِل وأَنْ تُقْبَل مَفْعُول ﴿كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاة إلّا وهُمْ كُسالى﴾ مُتَثاقِلُونَ ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهُمْ كارِهُونَ﴾ النَّفَقَة لِأَنَّهُمْ يَعُدُّونَها مَغْرَمًا
فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ
٥٥تفسير الجلالين: ﴿فَلا تُعْجِبك أمْوالهمْ ولا أوْلادهمْ﴾ أيْ لا تَسْتَحْسِن نِعَمنا عَلَيْهِمْ فَهِيَ اسْتِدْراج ﴿إنّما يُرِيد اللَّه لِيُعَذِّبهُمْ﴾ أيْ أنْ يُعَذِّبهُمْ ﴿بِها فِي الحَياة الدُّنْيا﴾ بِما يَلْقَوْنَ فِي جَمْعها مِن المَشَقَّة وفِيها مِن المَصائِب ﴿وتَزْهَق﴾ تَخْرُج ﴿أنْفُسهمْ وهُمْ كافِرُونَ﴾ فَيُعَذِّبهُمْ فِي الآخِرَة أشَدّ العَذاب
وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ
٥٦تفسير الجلالين: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنّهُمْ لِمِنكُمْ﴾ أيْ مُؤْمِنُونَ ﴿وما هُمْ مِنكُمْ ولَكِنَّهُمْ قَوْم يَفْرُقُونَ﴾ يَخافُونَ أنْ تَفْعَلُوا بِهِمْ كالمُشْرِكِينَ فَيَحْلِفُونَ تَقِيَّة
لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ
٥٧تفسير الجلالين: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ﴾ يَلْجَئُونَ إلَيْهِ ﴿أوْ مَغارات﴾ سَرادِيب ﴿أوْ مُدَّخَلًا﴾ مَوْضِعًا يَدْخُلُونَهُ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يُسْرِعُونَ فِي دُخُوله والِانْصِراف عَنْكُمْ إسْراعًا لا يَرُدّهُ شَيْء كالفَرَسِ الجَمُوح
وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ
٥٨تفسير الجلالين: ﴿ومِنهُمْ مَن يَلْمِزك﴾ يَعِيبك ﴿فِي﴾ قَسْم
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ
٥٩تفسير الجلالين: ﴿ولَوْ أنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمْ اللَّه ورَسُوله﴾ مِن الغَنائِم ونَحْوها ﴿وقالُوا حَسْبنا﴾ كافِينا ﴿اللَّه سَيُؤْتِينا اللَّه مِن فَضْله ورَسُوله﴾ مِن غَنِيمَة أُخْرى ما يَكْفِينا ﴿إنّا إلى اللَّه راغِبُونَ﴾ أنْ يُغْنِينا وجَواب لَوْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ
۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ
٦٠تفسير الجلالين: ﴿إنّما الصَّدَقات﴾ الزَّكَوات مَصْرُوفَة ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يَقَع مَوْقِعًا مِن كِفايَتهمْ ﴿والمَساكِين﴾ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يَكْفِيهِمْ ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ أيْ الصَّدَقات مِن جابٍ وقاسِم وكاتِب وحاشِر ﴿والمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ﴾ لِيُسْلِمُوا أوْ يَثْبُت إسْلامهمْ أوْ يَسْلَم نُظَراؤُهُمْ أوْ يَذُبُّوا عَنْ المُسْلِمِينَ أقْسام الأَوَّل والأَخِير لا يُعْطِيانِ اليَوْم عِنْد الشّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه تَعالى عَنْهُ لِعَزِّ الإسْلام بِخِلافِ الآخَرَيْنِ فَيُعْطِيانِ عَلى الأَصَحّ ﴿وفِي﴾ فَكّ ﴿الرِّقاب﴾ أيْ المُكاتَبِينَ ﴿والغارِمِينَ﴾ أهْل الدِّين إنْ اسْتَدانُوا لِغَيْرِ مَعْصِيَة أوْ تابُوا ولَيْسَ لَهُمْ وفاء أوْ لِإصْلاحِ ذات البَيْن ولَوْ أغْنِياء ﴿وفِي سَبِيل اللَّه﴾ أيْ القائِمِينَ بِالجِهادِ مِمَّنْ لا فَيْء لَهُمْ ولَوْ أغْنِياء ﴿وابْن السَّبِيل﴾ المُنْقَطِع فِي سَفَره ﴿فَرِيضَة﴾ نُصِبَ بِفِعْلِهِ المُقَدَّر ﴿مِن اللَّه واللَّه عَلِيم﴾ بِخَلْقِهِ ﴿حَكِيم﴾ فِي صُنْعه فَلا يَجُوز صَرْفها لِغَيْرِ هَؤُلاءِ ولا مَنع صِنْف مِنهُمْ إذا وُجِدَ فَيَقْسِمها الإمام عَلَيْهِمْ عَلى السَّواء ولَهُ تَفْضِيل بَعْض آحاد الصِّنْف عَلى بَعْض وأَفادَتْ اللّام وُجُوب اسْتِغْراق أفْراده لَكِنْ لا يَجِب عَلى صاحِب المال إذا قَسَمَ لِعُسْرِهِ بَلْ يَكْفِي إعْطاء ثَلاثَة مِن كُلّ صِنْف ولا يَكْفِي دُونها كَما أفادَتْهُ صِيغَة الجَمْع وبَيَّنَتْ السُّنَّة أنَّ شَرْط المُعْطى مِنها الإسْلام وأَنْ لا يَكُون هاشِمِيًّا ولا مُطَّلِبِيًّا
وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ
٦١تفسير الجلالين: ﴿ومِنهُمْ﴾ أيْ المُنافِقِينَ ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيّ﴾ بِعَيْبِهِ وبِنَقْلِ حَدِيثه ﴿ويَقُولُونَ﴾ إذا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يُبَلِّغهُ ﴿هُوَ أُذُن﴾ أيْ يَسْمَع كُلّ قَيْل ويَقْبَلهُ فَإذا حَلَفْنا لَهُ أنّا لَمْ نَقُلْ صَدَّقْنا ﴿قُلْ﴾ هُوَ ﴿أُذُن﴾ مُسْتَمِع ﴿خَيْر لَكُمْ﴾ لا مُسْتَمِع شَرّ ﴿يُؤْمِن بِاللَّهِ ويُؤْمِن﴾ يُصَدِّق ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فِيما أخْبَرُوهُ بِهِ لا لِغَيْرِهِمْ واللّام زائِدَة لِلْفَرَقِ بَيْن إيمان التَّسْلِيم وغَيْره ﴿ورَحْمَة﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى أُذُن والجَرّ عَطْفًا عَلى خَيْر
يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ
٦٢تفسير الجلالين: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ أيّها المُؤْمِنُونَ فِيما بَلَغَكُمْ عَنْهُمْ مِن أذى الرَّسُول أنَّهُمْ ما أتَوْهُ ﴿لِيُرْضُوكُمْ واللَّه ورَسُوله أحَقّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ بِالطّاعَةِ وتَوْحِيد الضَّمِير لِتَلازُمِ الرِّضاءَيْنِ أوْ خَبَر اللَّه ورَسُوله مَحْذُوف ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ حَقًّا
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ
٦٣تفسير الجلالين: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ بِ ﴿أنَّهُ﴾ أيْ الشَّأْن ﴿مَن يُحادِدْ﴾ يُشاقِقْ ﴿اللَّه ورَسُوله فَإنَّ لَهُ نار جَهَنَّم﴾ جَزاء
يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ
٦٤تفسير الجلالين: ﴿يَحْذَر﴾ يَخاف ﴿المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ المُؤْمِنِينَ ﴿سُورَة تُنَبِّئهُمْ بِما فِي قُلُوبهمْ﴾ مِن النِّفاق وهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿قُلْ اسْتَهْزِئُوا﴾ أمْر تَهْدِيد ﴿إنّ اللَّه مُخْرِج﴾ مُظْهِر ﴿ما تَحْذَرُونَ﴾ إخْراجه مِن نِفاقكُمْ
وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ
٦٥تفسير الجلالين: ﴿ولَئِنْ﴾ لام قَسَم ﴿سَأَلْتهمْ﴾ عَنْ اسْتِهْزائِهِمْ بِك والقُرْآن وهُمْ سائِرُونَ مَعَك إلى تَبُوك" ﴿﴾ "لَيَقُولُنَّ" ﴿مُعْتَذِرِينَ﴾ "إنّما كُنّا نَخُوض ونَلْعَب" ﴿فِي الحَدِيث لِنَقْطَع بِهِ الطَّرِيق ولَمْ نَقْصِد ذَلِكَ﴾ "قُلْ" ﴿لَهُمْ﴾
لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ
٦٦تفسير الجلالين: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ عَنْهُ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْد إيمانكُمْ﴾ أيْ ظَهَرَ كُفْركُمْ بَعْد إظْهار الإيمان ﴿إنْ يُعْفَ﴾ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ والنُّون مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿عَنْ طائِفَة مِنكُمْ﴾ بِإخْلاصِها وتَوْبَتها كَجَحْشِ بْن حِمْيَر ﴿نُعَذِّب﴾ بِالتّاءِ والنُّون ﴿طائِفَة بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى النِّفاق والِاسْتِهْزاء
ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ
٦٧تفسير الجلالين: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقات بَعْضهمْ مِن بَعْض﴾ أيْ مُتَشابِهُونَ فِي الدِّين كَأَبْعاضِ الشَّيْء الواحِد ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ الكُفْر والمَعاصِي ﴿ويَنْهَوْنَ عَنْ المَعْرُوف﴾ الإيمان والطّاعَة ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيهمْ﴾ عَنْ الإنْفاق فِي الطّاعَة ﴿نَسُوا اللَّه﴾ تَرَكُوا طاعَته ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ تَرَكَهُمْ مِن لُطْفه
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ
٦٨تفسير الجلالين: ﴿وعَدَ اللَّه المُنافِقِينَ والمُنافِقات والكُفّار نار جَهَنَّم خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبهمْ﴾ جَزاء وعِقابًا ﴿ولَعَنَهُمْ اللَّه﴾ أبْعَدهمْ عَنْ رَحْمَته" ﴿﴾ "ولَهُمْ عَذاب مُقِيم" ﴿دائِم﴾
كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ
٦٩تفسير الجلالين: أنْتُمْ أيّها المُنافِقُونَ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلكُمْ كانُوا أشَدّ مِنكُمْ قُوَّة وأَكْثَر أمْوالًا وأَوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا﴾ تَمَتَّعُوا ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ نَصِيبهمْ مِن الدُّنْيا ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ أيّها المُنافِقُونَ ﴿بِخَلاقِكُمْ كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلكُمْ بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ﴾ فِي الباطِل والطَّعْن فِي النَّبِيّ ﷺ ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ أيْ كَخَوْضِهِمْ
أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ
٧٠تفسير الجلالين: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأ﴾ خَبَر ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلهمْ قَوْم نُوح وعاد﴾ قَوْم هُود ﴿وثَمُود﴾ قَوْم صالِح ﴿وقَوْم إبْراهِيم وأَصْحاب مَدْيَن﴾ قَوْم شُعَيْب ﴿والمُؤْتَفِكات﴾ قُرى قَوْم لُوط أيْ أهْلها ﴿أتَتْهُمْ رُسُلهمْ بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ فَكَذَبُوهُمْ فَأُهْلِكُوا ﴿فَما كانَ اللَّه لِيَظْلِمهُمْ﴾ بِأَنْ يُعَذِّبهُمْ بِغَيْرِ ذَنْب ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسهمْ يَظْلِمُونَ﴾ بِارْتِكابِ الذَّنْب
وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَـٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ
٧١تفسير الجلالين: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِنات بَعْضهمْ أوْلِياء بَعْض يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنْ المُنْكَر ويُقِيمُونَ الصَّلاة ويُؤْتُونَ الزَّكاة ويُطِيعُونَ اللَّه ورَسُوله أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّه إنّ اللَّه عَزِيز﴾ لا يُعْجِزهُ شَيْء عَنْ إنْجاز وعْده ووَعِيده ﴿حَكِيم﴾ لا يَضَع شَيْئًا إلّا فِي مَحَلّه
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّـٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ
٧٢تفسير الجلالين: ﴿وعَدَ اللَّه المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنات جَنّات تَجْرِي مِن تَحْتها الأَنْهار خالِدِينَ فِيها ومَساكِن طَيِّبَة فِي جَنّات عَدْن﴾ إقامَة ﴿ورِضْوان مِن اللَّه أكْبَر﴾ أعْظَم مِن ذَلِكَ كُلّه
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ
٧٣تفسير الجلالين: ﴿يا أيّها النَّبِيّ جاهِد الكُفّار﴾ بِالسَّيْفِ ﴿والمُنافِقِينَ﴾ بِاللِّسانِ والحُجَّة ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ بِالِانْتِهارِ والمَقْت ﴿ومَأْواهُمْ جَهَنَّم وبِئْسَ المَصِير﴾ المَرْجِع هِيَ
يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ
٧٤تفسير الجلالين: ﴿يَحْلِفُونَ﴾ أيْ المُنافِقُونَ ﴿بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ ما بَلَغَك عَنْهُمْ مِن السَّبّ ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَة الكُفْر وكَفَرُوا بَعْد إسْلامهمْ﴾ أظْهَرُوا الكُفْر بَعْد إظْهار الإسْلام" ﴿﴾ "وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا" ﴿مِن الفَتْك بِالنَّبِيِّ لَيْلَة العَقَبَة عِنْد عَوْده مِن تَبُوك وهُمْ بَضْعَة عَشَرَ رَجُلًا فَضَرَبَ عَمّار بْن ياسِر وُجُوه الرَّواحِل لَمّا غَشُوهُ فَرُدُّوا﴾ "وما نَقَمُوا" ﴿أنْكَرُوا﴾ "إلّا أنْ أغْناهُمْ اللَّه ورَسُوله مِن فَضْله" ﴿بِالغَنائِمِ بَعْد شِدَّة حاجَتهمْ، المَعْنى لَمْ يَنَلْهُمْ مِنهُ إلّا هَذا ولَيْسَ مِمّا يَنْقِم﴾ "فَإنْ يَتُوبُوا" ﴿عَنْ النِّفاق ويُؤْمِنُوا بِك﴾ "يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وإنْ يَتَوَلَّوْا" ﴿عَنْ الإيمان﴾ "يُعَذِّبهُمْ اللَّه عَذابًا ألِيمًا فِي الدُّنْيا" ﴿بِالقَتْلِ﴾ "والآخِرَة" ﴿بِالنّارِ﴾ "وما لَهُمْ فِي الأَرْض مِن ولِيّ" ﴿يَحْفَظهُمْ مِنهُ﴾ "ولا نَصِير" ﴿يَمْنَعهُمْ﴾
۞وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ
٧٥تفسير الجلالين: ﴿ومِنهُمْ مَن عاهَدَ اللَّه لَئِنْ آتانا مِن فَضْله لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ فِيهِ إدْغام التّاء فِي الأَصْل فِي الصّاد ﴿ولَنَكُونَنَّ مِن الصّالِحِينَ﴾ وهُوَ ثَعْلَبَة بْن حاطِب سَأَلَ النَّبِيّ ﷺ أنْ يَدْعُو لَهُ أنْ يَرْزُقهُ اللَّه مالًا ويُؤَدِّي مِنهُ كُلّ ذِي حَقّ حَقّه فَدَعا لَهُ فَوَسَّعَ عَلَيْهِ فانْقَطَعَ عَنْ الجُمُعَة والجَماعَة ومَنَعَ الزَّكاة
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ
٧٦تفسير الجلالين: ﴿فَلَمّا آتاهُمْ مِن فَضْله بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا﴾ عَنْ طاعَة اللَّه
فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ
٧٧تفسير الجلالين: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ أيْ فَصَيَّرَ عاقِبَتهمْ ﴿نِفاقًا﴾ ثابِتًا ﴿فِي قُلُوبهمْ إلى يَوْم يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ اللَّه وهُوَ يَوْم القِيامَة فَجاءَ بَعْد ذَلِكَ إلى النَّبِيّ ﷺ بِزَكاتِهِ فَقالَ: إنّ اللَّه مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنك فَجَعَلَ يَحْثُو التُّراب عَلى رَأْسه ثُمَّ جاءَ إلى أبِي بَكْر فَلَمْ يَقْبَلها ثُمَّ إلى عُمَر فَلَمْ يَقْبَلها ثُمَّ إلى عُثْمان فَلَمْ يَقْبَلها وماتَ فِي زَمانه
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ
٧٨تفسير الجلالين: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ المُنافِقُونَ ﴿أنَّ اللَّه يَعْلَم سِرّهمْ﴾ ما أسَرُّوهُ فِي أنْفُسهمْ ﴿ونَجْواهُمْ﴾ ما تَناجَوْا بِهِ بَيْنهمْ ﴿وأَنَّ اللَّه عَلّام الغُيُوب﴾ ما غابَ عَنْ العِيان، ولَمّا نَزَلَتْ آيَة الصَّدَقَة جاءَ رَجُل فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِير فَقالَ المُنافِقُونَ: مُراءٍ وجاءَ رَجُل فَتَصَدَّقَ بِصاعٍ فَقالُوا: إنّ اللَّه غَنِيّ عَنْ صَدَقَة هَذا فَنَزَلَ
ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٧٩تفسير الجلالين: ﴿الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأ ﴿يَلْمِزُونَ﴾ يَعِيبُونَ ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾ المُتَنَفِّلِينَ ﴿مِن المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقات والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدهمْ﴾ طاقَتهمْ فَيَأْتُونَ بِهِ ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ والخَبَر ﴿سَخِرَ اللَّه مِنهُمْ﴾ جازاهُمْ عَلى سُخْرِيَتهمْ
ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ
٨٠تفسير الجلالين: ﴿اسْتَغْفِرْ﴾ يا مُحَمَّد ﴿لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِر لَهُمْ﴾ تَخْيِير لَهُ فِي الِاسْتِغْفار وتَرْكه قالَ ﷺ: "إنِّي خُيِّرْت فاخْتَرْت يَعْنِي الِاسْتِغْفار" رَواهُ البُخارِيّ ﴿إنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّة فَلَنْ يَغْفِر اللَّه لَهُمْ﴾ قِيلَ المُراد بِالسَّبْعِينَ المُبالَغَة فِي كَثْرَة الِاسْتِغْفار وفِي البُخارِيّ حَدِيث "لَوْ أعْلَم أنِّي لَوْ زِدْت عَلى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَزِدْت عَلَيْها" وقِيلَ المُراد العَدَد المَخْصُوص لِحَدِيثِهِ أيْضًا وسَأَزِيدُ عَلى السَّبْعِينَفَبَيَّنَ لَهُ حَسْم المَغْفِرَة بِآيَةِ ﴿سَواء عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْت لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ﴾
فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ
٨١تفسير الجلالين: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ عَنْ تَبُوك ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أيْ بِقُعُودِهِمْ ﴿خِلاف﴾ أيْ بَعْد ﴿رَسُول اللَّه وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسهمْ فِي سَبِيل اللَّه وقالُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ ﴿لا تَنْفِرُوا﴾ تَخْرُجُوا إلى الجِهاد ﴿فِي الحَرّ قُلْ نار جَهَنَّم أشَدّ حَرًّا﴾ مِن تَبُوك فالأَوْلى أنْ يَتَّقُوها بِتَرْكِ التَّخَلُّف ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ما تَخَلَّفُوا
فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ
٨٢تفسير الجلالين: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ فِي الدُّنْيا ﴿ولْيَبْكُوا﴾ فِي الآخِرَة وهُوَ خَبَر عَنْ حالهمْ بِصِيغَةِ الأَمْر
فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ
٨٣تفسير الجلالين: ﴿فَإنْ رَجَعَك﴾ رَدَّك ﴿اللَّه﴾ مِن تَبُوك ﴿إلى طائِفَة مِنهُمْ﴾ مِمَّنْ تَخَلَّفَ بِالمَدِينَةِ مِن المُنافِقِينَ ﴿فاسْتَأْذَنُوك لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَك إلى غَزْوَة أُخْرى ﴿فَقُلْ﴾ لَهُمْ ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إنّكُمْ رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّل مَرَّة فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ المُتَخَلِّفِينَ عَنْ الغَزْو مِن النِّساء والصِّبْيان وغَيْرهمْ
وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ
٨٤تفسير الجلالين: ولَمّا صَلّى النَّبِيّ ﷺ عَلى ابْن أُبَيٍّ نَزَلَ ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَد مِنهُمْ ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْره﴾ لِدَفْنٍ أوْ زِيارَة ﴿إنّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُوله وماتُوا وهُمْ فاسِقُونَ﴾ كافِرُونَ
وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ
٨٥تفسير الجلالين: ﴿ولا تُعْجِبك أمْوالهمْ وأَوْلادهمْ إنّما يُرِيد اللَّه أنْ يُعَذِّبهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وتَزْهَق﴾ تَخْرُج
وَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٌ أَنۡ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسۡتَـٔۡذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوۡلِ مِنۡهُمۡ وَقَالُواْ ذَرۡنَا نَكُن مَّعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ
٨٦تفسير الجلالين: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَة﴾ أيْ طائِفَة مِن القُرْآن ﴿أنْ﴾ أيْ بِأَنْ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُوله اسْتَأْذَنَك أُولُو الطَّوْل﴾ ذَوُو الغِنى
رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ
٨٧تفسير الجلالين: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِف﴾ جَمْع خالِفَة أيْ النِّساء اللّاتِي تَخَلَّفْنَ فِي البُيُوت ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبهمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ الخَيْر
لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ
٨٨تفسير الجلالين: ﴿لَكِنْ الرَّسُول والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسهمْ وأُولَئِكَ لَهُمْ الخَيْرات﴾ فِي الدُّنْيا والآخِرَة ﴿وأُولَئِكَ هُمْ المُفْلِحُونَ﴾ أيْ الفائِزُونَ
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ
٨٩وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ
٩٠تفسير الجلالين: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ بِإدْغامِ التّاء فِي الأَصْل فِي الدّال أيْ المُعْتَذِرُونَ بِمَعْنى المَعْذُورِينَ وقُرِئَ بِهِ ﴿مِن الأَعْراب﴾ إلى النَّبِيّ ﷺ ﴿لِيُؤْذَن لَهُمْ﴾ فِي القُعُود لِعُذْرِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّه ورَسُوله﴾ فِي ادِّعاء الإيمان مِن مُنافِقِي الأَعْراب عَنْ المَجِيء لِلِاعْتِذارِ
لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
٩١تفسير الجلالين: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاء﴾ كالشُّيُوخِ ﴿ولا عَلى المَرْضى﴾ كالعُمْيِ. والزَّمْنى ﴿ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ فِي الجِهاد ﴿حَرَج﴾ إثْم فِي التَّخَلُّف عَنْهُ ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُوله﴾ فِي حال قُعُودهمْ بِعَدَمِ الإرْجاف والتَّثْبِيط والطّاعَة ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ﴾ بِذَلِكَ ﴿مِن سَبِيل﴾ طَرِيق بِالمُؤاخَذَةِ ﴿واللَّه غَفُور﴾ لَهُمْ ﴿رَحِيم﴾ بِهِمْ فِي التَّوْسِعَة فِي ذَلِكَ
وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ
٩٢تفسير الجلالين: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْك لِتَحْمِلهُمْ﴾ مَعَك إلى الغَزْو وهُمْ سَبْعَة مِن الأَنْصار وقِيلَ بَنُو مُقْرِن ﴿قُلْت لا أجِد ما أحْمِلكُمْ عَلَيْهِ﴾ حال ﴿تَوَلَّوْا﴾ جَواب إذا أيْ انْصَرَفُوا ﴿وأَعْيُنهمْ تَفِيض﴾ تَسِيل ﴿مِن﴾ لِلْبَيانِ ﴿الدَّمْع حَزَنًا﴾ لِأَجْلِ ﴿ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ فِي الجِهاد
۞إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ
٩٣تفسير الجلالين: ﴿إنّما السَّبِيل عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَك﴾ فِي التَّخَلُّف ﴿وهُمْ أغْنِياء رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِف وطَبَعَ اللَّه عَلى قُلُوبهمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ تَقَدَّمَ مِثْله
يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ
٩٤تفسير الجلالين: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ فِي التَّخَلُّف ﴿إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ مِن الغَزْو ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ ﴿لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِن لَكُمْ﴾ نُصَدِّقكُمْ ﴿قَدْ نَبَّأَنا اللَّه مِن أخْباركُمْ﴾ أيْ أخْبَرَنا بِأَحْوالِكُمْ ﴿وسَيَرى اللَّه عَمَلكُمْ ورَسُوله ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ بِالبَعْثِ ﴿إلى عالِم الغَيْب والشَّهادَة﴾ أيْ اللَّه ﴿فَيُنَبِّئكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازِيكُمْ عَلَيْهِ
سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ
٩٥تفسير الجلالين: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إذا انْقَلَبْتُمْ﴾ رَجَعْتُمْ ﴿إلَيْهِمْ﴾ مِن تَبُوك أنَّهُمْ مَعْذُورُونَ فِي التَّخَلُّف ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ بِتَرْكِ المُعاتَبَة ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إنّهُمْ رِجْس﴾ قَذَر لِخُبْثِ باطِنهمْ
يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ
٩٦تفسير الجلالين: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإنَّ اللَّه لا يَرْضى عَنْ القَوْم الفاسِقِينَ﴾ أيْ عَنْهُمْ ولا يَنْفَع رِضاكُمْ مَعَ سَخَط اللَّه
ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ
٩٧تفسير الجلالين: ﴿الأَعْراب﴾ أهْل البَدْو ﴿أشَدّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ مِن أهْل المُدُن لِجَفائِهِمْ وغِلَظ طِباعهمْ وبُعْدهمْ عَنْ سَماع القُرْآن ﴿وأَجْدَر﴾ أوْلى ﴿أن﴾ أيْ بِأَنْ ﴿لا يَعْلَمُوا حُدُود ما أنْزَلَ اللَّه عَلى رَسُوله﴾ مِن الأَحْكام والشَّرائِع ﴿واللَّه عَلِيم﴾ بِخَلْقِهِ ﴿حَكِيم﴾ فِي صُنْعه بِهِمْ
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ
٩٨تفسير الجلالين: ﴿ومِن الأَعْراب مَن يَتَّخِذ ما يُنْفِق﴾ فِي سَبِيل اللَّه ﴿مَغْرَمًا﴾ غَرامَة وخُسْرانًا لِأَنَّهُ لا يَرْجُو ثَوابه بَلْ يُنْفِقهُ خَوْفًا وهُمْ بَنُو أسَد وغَطَفان ﴿ويَتَرَبَّص﴾ يَنْتَظِر ﴿بِكُمْ الدَّوائِر﴾ دَوائِر الزَّمان أنْ تَنْقَلِب عَلَيْكُمْ فَيَتَخَلَّص ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَة السُّوء﴾ بِالضَّمِّ والفَتْح أيْ يَدُور العَذاب والهَلاك عَلَيْهِمْ لا عَلَيْكُمْ ﴿واللَّه سَمِيع﴾ لِأَقْوالِ عِباده ﴿عَلِيم﴾ بِأَفْعالِهِمْ
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
٩٩تفسير الجلالين: ﴿ومِن الأَعْراب مَن يُؤْمِن بِاللَّهِ واليَوْم الآخِر﴾ كَجُهَيْنَة ومُزَيْنَةَ ﴿ويَتَّخِذ ما يُنْفِق﴾ فِي سَبِيل اللَّه ﴿قُرُبات﴾ تُقَرِّبهُ ﴿عِنْد اللَّه﴾ وسِيلَة إلى ﴿وصَلَوات﴾ دَعَوات ﴿الرَّسُول﴾ لَهُ ﴿ألا إنّها﴾ أيْ نَفَقَتهمْ ﴿قُرْبَة﴾ بِضَمِّ الرّاء وسُكُونها ﴿لَهُمْ﴾ عِنْده ﴿سَيُدْخِلُهُمْ اللَّه فِي رَحْمَته﴾ جَنَّته ﴿إنّ اللَّه غَفُور﴾ لِأَهْلِ طاعَته ﴿رَحِيم﴾ بِهِمْ
وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ
١٠٠تفسير الجلالين: ﴿والسّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِن المُهاجِرِينَ والأَنْصار﴾ وهُمْ مَن شَهِدَ بَدْرًا أوْ جَمِيع الصَّحابَة ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ إلى يَوْم القِيامَة ﴿بِإحْسانٍ﴾ فِي العَمَل ﴿رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ﴾ بِطاعَتِهِ ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ بِثَوابِهِ ﴿وأَعَدَّ لَهُمْ جَنّات تَجْرِي تَحْتها الأَنْهار﴾ وفِي قِراءَة بِزِيادَةِ مِن
وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ
١٠١تفسير الجلالين: ﴿ومِمَّنْ حَوْلكُمْ﴾ يا أهْل المَدِينَة ﴿مِن الأَعْراب مُنافِقُونَ﴾ كَأَسْلَم وأَشْجَع وغِفار ﴿ومِن أهْل المَدِينَة﴾ مُنافِقُونَ أيْضًا ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاق﴾ لَجُّوا فِيهِ واسْتَمَرُّوا ﴿لا تَعْلَمهُمْ﴾ بِالفَضِيحَةِ أوْ القَتْل فِي الدُّنْيا وعَذاب القَبْر ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ فِي الآخِرَة ﴿إلى عَذاب عَظِيم﴾ هُوَ النّار
وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ
١٠٢تفسير الجلالين: ﴿و﴾ قَوْم ﴿آخَرُونَ﴾ مُبْتَدَأ ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ مِن التَّخَلُّف نَعْته والخَبَر ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ وهُوَ جِهادهمْ قَبْل ذَلِكَ أوْ اعْتِرافهمْ بِذُنُوبِهِمْ أوْ غَيْر ذَلِكَ ﴿وآخَر سَيِّئًا﴾ وهُوَ تَخَلُّفهمْ ﴿عَسى اللَّه أنْ يَتُوب عَلَيْهِمْ إنّ اللَّه غَفُور رَحِيم﴾ نَزَلَتْ فِي أبِي لُبابَة وجَماعَة أوْثَقُوا أنْفُسهمْ فِي سَوارِي المَسْجِد لَمّا بَلَغَهُمْ ما نَزَلَ فِي المُتَخَلِّفِينَ وحَلَفُوا لا يُحِلّهُمْ إلّا النَّبِيّ ﷺ فَحَلَّهُمْ لَمّا نَزَلَتْ
خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
١٠٣تفسير الجلالين: ﴿خُذْ مِن أمْوالهمْ صَدَقَة تُطَهِّرهُمْ وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ مِن ذُنُوبهمْ فَأَخَذَ ثُلُث أمْوالهمْ وتَصَدَّقَ بِها ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ اُدْعُ لَهُمْ ﴿إنّ صَلاتك سَكَن لَهُمْ﴾ رَحْمَة وقِيلَ طُمَأْنِينَة بِقَبُولِ تَوْبَتهمْ
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
١٠٤تفسير الجلالين: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّه هُوَ يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِباده ويَأْخُذ﴾ يَقْبَل والِاسْتِفْهام لِلتَّقْرِيرِ والقَصْد بِهِ هُوَ تَهْيِيجهمْ إلى التَّوْبَة والصَّدَقَة ﴿الصَّدَقات وأَنَّ اللَّه هُوَ التَّوّاب﴾ عَلى عِباده بِقَبُولِ تَوْبَتهمْ ﴿الرَّحِيم﴾ بِهِمْ
وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ
١٠٥تفسير الجلالين: ﴿وقُلْ﴾ لَهُمْ أوْ لِلنّاسِ ﴿اعْمَلُوا﴾ ما شِئْتُمْ ﴿فَسَيَرى اللَّه عَمَلكُمْ ورَسُوله والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ﴾ بِالبَعْثِ ﴿إلى عالِم الغَيْب والشَّهادَة﴾ أيْ اللَّه ﴿فَيُنَبِّئكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازِيكُمْ بِهِ
وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ
١٠٦تفسير الجلالين: ﴿وآخَرُونَ﴾ مِن المُتَخَلِّفِينَ ﴿مُرْجَئُونَ﴾ بِالهَمْزِ وتَرْكه: مُؤَخَّرُونَ عَنْ التَّوْبَة ﴿لِأَمْرِ اللَّه﴾ فِيهِمْ بِما يَشاء ﴿إمّا يُعَذِّبهُمْ﴾ بِأَنْ يُمِيتهُمْ بِلا تَوْبَة ﴿وإمّا يَتُوب عَلَيْهِمْ واللَّه عَلِيم﴾ بِخَلْقِهِ ﴿حَكِيم﴾ فِي صُنْعه بِهِمْ وهُمْ الثَّلاثَة الآتُونَ بَعْد: مَرارَة بْن الرَّبِيع وكَعْب بْن مالِك وهِلال بْن أُمَيَّة تَخَلَّفُوا كَسَلًا ومَيْلًا إلى الدَّعَة لا نِفاقًا ولَمْ يَعْتَذِرُوا إلى النَّبِيّ ﷺ كَغَيْرِهِمْ فَوَقَفَ أمْرهمْ خَمْسِينَ لَيْلَة وهَجَرَهُمْ النّاس حَتّى نَزَلَتْ تَوْبَتهمْ بَعْد
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ
١٠٧تفسير الجلالين: ﴿و﴾ مِنهُمْ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ وهُمْ اثْنا عَشَرَ مِن المُنافِقِينَ ﴿ضِرارًا﴾ مُضارَّة لِأَهْلِ مَسْجِد قُباءَ ﴿وكُفْرًا﴾ لِأَنَّهُمْ بَنَوْهُ بِأَمْرِ أبِي عامِر الرّاهِب لِيَكُونَ مَعْقِلًا لَهُ يَقْدُم فِيهِ مَن يَأْتِي مِن عِنْده وكانَ ذَهَبَ لِيَأْتِيَ بِجُنُودٍ مِن قَيْصَر لِقِتالِ النَّبِيّ ﷺ ﴿وتَفْرِيقًا بَيْن المُؤْمِنِينَ﴾ الَّذِينَ يُصَلُّونَ بِقُباءَ بِصَلاةِ بَعْضهمْ فِي مَسْجِدهمْ ﴿وإرْصادًا﴾ تَرَقُّبًا ﴿لِمَن حارَبَ اللَّه ورَسُوله مِن قَبْل﴾ أيْ قَبْل بِنائِهِ وهُوَ أبُو عامِر المَذْكُور ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ﴾ ما ﴿أرَدْنا﴾ بِبِنائِهِ ﴿إلّا﴾ الفِعْلَة ﴿الحُسْنى﴾ مِن الرِّفْق بِالمِسْكِينِ فِي المَطَر والحَرّ والتَّوْسِعَة عَلى المُسْلِمِينَ ﴿واللَّه يَشْهَد إنّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ فِي ذَلِكَ وكانُوا سَأَلُوا النَّبِيّ ﷺ أنْ يُصَلِّي فِيهِ فَنَزَلَ
لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ
١٠٨تفسير الجلالين: ﴿لا تَقُمْ﴾ تُصَلِّ ﴿فِيهِ أبَدًا﴾ فَأَرْسَلَ جَماعَة هَدَمُوهُ وحَرَّقُوهُ وجَعَلُوا مَكانه كُناسَة تُلْقى فِيها الجِيَف ﴿لَمَسْجِد أُسِّسَ﴾ بُنِيَتْ قَواعِده ﴿عَلى التَّقْوى مِن أوَّل يَوْم﴾ وُضِعَ يَوْم حَلَلْت بِدارِ الهِجْرَة وهُوَ مَسْجِد قُباءَ كَما فِي البُخارِيّ ﴿أحَقّ﴾ مِنهُ ﴿أنْ﴾ أيْ بِأَنْ ﴿تَقُوم﴾ تُصَلِّي ﴿فِيهِ فِيهِ رِجال﴾ هُمْ الأَنْصار ﴿يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّه يُحِبّ المُطَّهِّرِينَ﴾ أيْ يُثِيبهُمْ فِيهِ إدْغام التّاء فِي الأَصْل فِي الطّاء رَوى ابْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه عَنْ عُوَيْمِر بْن ساعِدَة: "أنَّهُ ﷺ أتاهُمْ فِي مَسْجِد قُباءَ فَقالَ: إنّ اللَّه تَعالى قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّناء فِي الطَّهُور فِي قِصَّة مَسْجِدكُمْ فَما هَذا الطَّهُور الَّذِي تَطَّهَّرُونَ بِهِ ؟ قالُوا: واللَّه يا رَسُول اللَّه ما نَعْلَم شَيْئًا إلّا أنَّهُ كانَ لَنا جِيران مِن اليَهُود وكانُوا يَغْسِلُونَ أدْبارهمْ مِن الغائِط فَغَسَلْنا كَما غَسَلُوا" وفِي حَدِيث رَواهُ البَزّار فَقالُوا نَتْبَع الحِجارَة بِالماءِ "فَقالَ هُوَ ذاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ"
أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ
١٠٩تفسير الجلالين: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانه عَلى تَقْوى﴾ مَخافَة ﴿مِن اللَّه و﴾ رَجاء ﴿رِضْوان﴾ مِنهُ ﴿خَيْر أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانه عَلى شَفا﴾ طَرَف ﴿جُرُف﴾ بِضَمِّ الرّاء وسُكُونها جانِب ﴿هار﴾ مُشْرِف عَلى السُّقُوط ﴿فانْهارَ بِهِ﴾ سَقَطَ مَعَ بانِيه ﴿فِي نار جَهَنَّم﴾ خَيْر تَمْثِيل لِلْبِناءِ عَلى ضِدّ التَّقْوى بِما يُؤَوَّل إلَيْهِ والِاسْتِفْهام لِلتَّقْرِيرِ أيْ الأَوَّل خَيْر وهُوَ مِثال مَسْجِد قُباءَ والثّانِي مِثال مَسْجِد الضِّرار
لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١١٠تفسير الجلالين: ﴿لا يَزال بُنْيانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَة﴾ شَكًّا ﴿فِي قُلُوبهمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ﴾ تَنْفَصِل ﴿قُلُوبهمْ﴾ بِأَنْ يَمُوتُوا ﴿واللَّه عَلِيم﴾ بِخَلْقِهِ ﴿حَكِيم﴾ فِي صُنْعه بِهِمْ
۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ
١١١تفسير الجلالين: ﴿إنّ اللَّه اشْتَرى مِن المُؤْمِنِينَ أنْفُسهمْ وأَمْوالهمْ﴾ بِأَنْ يَبْذُلُوها فِي طاعَته كالجِهادِ ﴿بِأَنَّ لَهُمْ الجَنَّة يُقاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّه فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ جُمْلَة اسْتِئْناف بَيان لِلشِّراءِ وفِي قِراءَة بِتَقْدِيمِ المَبْنِيّ لِلْمَفْعُولِ أيْ فَيُقْتَل بَعْضهمْ ويُقاتِل الباقِي ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرانِ مَنصُوبانِ بِفِعْلِهِما المَحْذُوف ﴿فِي التَّوْراة والإنْجِيل والقُرْآن ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِن اللَّه﴾ أيْ لا أحَد أوْفى مِنهُ ﴿فاسْتَبْشِرُوا﴾ فِيهِ التِفات عَنْ الغَيْبَة ﴿بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِك﴾ البَيْع ﴿هُوَ الفَوْز العَظِيم﴾ المُنِيل غايَة المَطْلُوب
ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّـٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ
١١٢تفسير الجلالين: ﴿التّائِبُونَ﴾ رُفِعَ عَلى المَدْح بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأ مِن الشِّرْك والنِّفاق ﴿العابِدُونَ﴾ المُخْلِصُونَ العِبادَة لِلَّهِ ﴿الحامِدُونَ﴾ لَهُ عَلى كُلّ حال ﴿السّائِحُونَ﴾ الصّائِمُونَ ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ أيْ المُصَلُّونَ ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنْ المُنْكَر والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّه﴾ لِأَحْكامِهِ بِالعَمَلِ بِها ﴿وبَشِّرْ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالجَنَّةِ
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ
١١٣تفسير الجلالين: ونَزَلَ فِي اسْتِغْفاره ﷺ لِعَمِّهِ أبِي طالِب اسْتِغْفار بَعْض الصَّحابَة لِأَبَوَيْهِ المُشْرِكَيْنِ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ ذَوِي قُرْبى ﴿مِن بَعْد ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أصْحاب الجَحِيم﴾ النّار بِأَنْ ماتُوا عَلى الكُفْر
وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّـٰهٌ حَلِيمٞ
١١٤تفسير الجلالين: ﴿وما كانَ اسْتِغْفار إبْراهِيم لِأَبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَة وعَدَها إيّاهُ﴾ بِقَوْلِهِ "سَأَسْتَغْفِرُ لَك رَبِّي" رَجاء أنْ يُسْلِم ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوّ لِلَّهِ﴾ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْر ﴿تَبَرَّأَ مِنهُ﴾ وتَرَكَ الِاسْتِغْفار لَهُ ﴿إنّ إبْراهِيم لَأَوّاه﴾ كَثِير التَّضَرُّع والدُّعاء ﴿حَلِيم﴾ صَبُور عَلى الأَذى
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ
١١٥تفسير الجلالين: ﴿وما كانَ اللَّه لِيُضِلّ قَوْمًا بَعْد إذْ هَداهُمْ﴾ لِلْإسْلامِ ﴿حَتّى يُبَيِّن لَهُمْ ما يَتَّقُونَ﴾ مِن العَمَل فَلا يَتَّقُوهُ فَيَسْتَحِقُّوا الإضْلال ﴿إنّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم﴾ ومِنهُ مُسْتَحِقّ الإضْلال والهِدايَة
إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ
١١٦تفسير الجلالين: ﴿إنّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوات والأَرْض يُحْيِي ويُمِيت وما لَكُمْ﴾ أيّها النّاس ﴿مِن دُون اللَّه﴾ أيْ غَيْره ﴿مِن ولِيّ﴾ يَحْفَظكُمْ مِنهُ ﴿ولا نَصِير﴾ يَمْنَعكُمْ عَنْ ضَرَره
لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ
١١٧تفسير الجلالين: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّه﴾ أيْ أدامَ تَوْبَته ﴿عَلى النَّبِيّ والمُهاجِرِينَ والأَنْصار الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَة العُسْرَة﴾ أيْ وقْتها وهِيَ حالهمْ فِي غَزْوَة تَبُوك كانَ الرَّجُلانِ يَقْتَسِمانِ تَمْرَة والعَشَرَة يَعْتَقِبُونَ البَعِير الواحِد واشْتَدَّ الحَرّ حَتّى شَرِبُوا الفَرْث ﴿مِن بَعْد ما كادَ يَزِيغ﴾ بِالتّاءِ والياء تَمِيل ﴿قُلُوب فَرِيق مِنهُمْ﴾ عَنْ اتِّباعه إلى التَّخَلُّف لِما هُمْ فِيهِ مِن الشِّدَّة ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ بِالثَّباتِ
وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
١١٨تفسير الجلالين: ﴿و﴾ تابَ ﴿عَلى الثَّلاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ عَنْ التَّوْبَة عَلَيْهِمْ بِقَرِينَةِ ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْض بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ مَعَ رَحْبها أيْ سِعَتها فَلا يَجِدُونَ مَكانًا يَطْمَئِنُّونَ إلَيْهِ ﴿وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسهمْ﴾ قُلُوبهمْ لِلْغَمِّ والوَحْشَة بِتَأْخِيرِ تَوْبَتهمْ فَلا يَسَعها سُرُور ولا أُنْس ﴿وظَنُّوا﴾ أيْقَنُوا ﴿أنْ﴾ مُخَفَّفَة ﴿لا مَلْجَأ مِن اللَّه إلّا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ وفَّقَهُمْ لِلتَّوْبَةِ
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ
١١٩تفسير الجلالين: ﴿يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه﴾ بِتَرْكِ مَعاصِيه ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِين﴾ فِي الإيمان والعُهُود بِأَنْ تَلْزَمُوا الصِّدْق
مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ
١٢٠تفسير الجلالين: ﴿ما كانَ لِأَهْلِ المَدِينَة ومَن حَوْلهمْ مِن الأَعْراب أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُول اللَّه﴾ إذا غَزا ﴿ولا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسه﴾ بِأَنْ يَصُونُوها عَمّا رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ مِن الشَّدائِد وهُوَ نَهْي بِلَفْظِ الخَبَر ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ النَّهْي عَنْ التَّخَلُّف" ﴿﴾ "بِأَنَّهُمْ" ﴿بِسَبَبِ أنَّهُمْ﴾ "لا يُصِيبهُمْ ظَمَأ" ﴿عَطَش﴾ "ولا نَصَب" ﴿تَعَب﴾ "ولا مَخْمَصَة" ﴿جُوع﴾ "فِي سَبِيل اللَّه ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا" ﴿مَصْدَر بِمَعْنى وطْئًا﴾ "يَغِيظ" ﴿يُغْضِب﴾ "الكُفّار ولا يَنالُونَ مِن عَدُوّ" ﴿لِلَّهِ﴾ "نَيْلًا" ﴿قَتْلًا أوْ أسْرًا أوْ نَهْبًا﴾ "إلّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَل صالِح" ﴿لِيُجازَوْا عَلَيْهِ﴾ "إنّ اللَّه لا يُضِيع أجْر المُحْسِنِينَ" ﴿أيْ أجْرهمْ بَلْ يُثِيبهُمْ﴾
وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
١٢١تفسير الجلالين: ﴿ولا يُنْفِقُونَ﴾ فِيهِ ﴿نَفَقَة صَغِيرَة﴾ ولَوْ تَمْرَة ﴿ولا كَبِيرَة ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ بِالسَّيْرِ ﴿إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ بِهِ عَمَل صالِح ﴿لِيَجْزِيَهُمْ اللَّه أحْسَن ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ جَزاءَهُمْ
۞وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ
١٢٢تفسير الجلالين: ولَمّا وُبِّخُوا عَلى التَّخَلُّف وأَرْسَلَ النَّبِيّ ﷺ سَرِيَّة نَفَرُوا جَمِيعًا فَنَزَلَ ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا﴾ إلى الغَزْو ﴿كافَّة فَلَوْلا﴾ فَهَلّا ﴿نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَة﴾ قَبِيلَة ﴿مِنهُمْ طائِفَة﴾ جَماعَة ومَكَثَ الباقُونَ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ أيْ الماكِثُونَ ﴿فِي الدِّين ولِيُنْذِرُوا قَوْمهمْ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ مِن الغَزْو بِتَعْلِيمِهِمْ ما تَعَلَّمُوهُ مِن الأَحْكام ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ عِقاب اللَّه بِامْتِثالِ أمْره ونَهْيه قالَ ابْن عَبّاس فَهَذِهِ مَخْصُوصَة بِالسَّرايا والَّتِي قَبْلها بِالنَّهْيِ عَنْ تَخَلُّف واحِد فِيما إذا خَرَجَ النَّبِيّ ﷺ
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ
١٢٣تفسير الجلالين: ﴿يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِن الكُفّار﴾ أيْ الأَقْرَب فالأَقْرَب مِنهُمْ ﴿ولْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَة﴾ شِدَّة أيْ أغْلِظُوا عَلَيْهِمْ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّه مَعَ المُتَّقِينَ﴾ بِالعَوْنِ والنَّصْر
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ
١٢٤تفسير الجلالين: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَة﴾ مِن القُرْآن ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ المُنافِقِينَ ﴿مَن يَقُول﴾ لِأَصْحابِهِ اسْتِهْزاء ﴿أيّكُمْ زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ تَصْدِيقًا ﴿فَأَمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إيمانًا﴾ لِتَصْدِيقِهِمْ بِها ﴿وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يَفْرَحُونَ بِها
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ
١٢٥تفسير الجلالين: ﴿وأَمّا الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض﴾ ضَعْف اعْتِقاد ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسهمْ﴾ كُفْرًا إلى كُفْرهمْ لِكُفْرِهِمْ بِها
أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ
١٢٦تفسير الجلالين: ﴿أوَلا يَرَوْنَ﴾ بِالياءِ أيْ المُنافِقُونَ والتّاء أيّها المُؤْمِنُونَ ﴿أنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ يُبْتَلَوْنَ ﴿فِي كُلّ عام مَرَّة أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ بِالقَحْطِ والأَمْراض ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ مِن نِفاقهمْ ﴿ولا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ نَّظَرَ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ هَلۡ يَرَىٰكُم مِّنۡ أَحَدٖ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ
١٢٧تفسير الجلالين: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَة" ﴿فِيها ذِكْرهمْ وقَرَأَها النَّبِيّ ﷺ﴾ "نَظَرَ بَعْضهمْ إلى بَعْض" ﴿يُرِيدُونَ الهَرَب يَقُولُونَ:﴾ "هَلْ يَراكُمْ مِن أحَد" ﴿إذا قُمْتُمْ فَإنْ لَمْ يَرَهُمْ أحَد قامُوا وإلّا ثَبَتُوا﴾ "ثُمَّ انْصَرَفُوا" ﴿عَلى كُفْرهمْ﴾ "صَرَفَ اللَّه قُلُوبهمْ" ﴿عَنْ الهُدى﴾ "بِأَنَّهُمْ قَوْم لا يَفْقَهُونَ" ﴿الحَقّ لِعَدَمِ تَدَبُّرهمْ﴾
لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ
١٢٨تفسير الجلالين: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُول مِن أنْفُسكُمْ﴾ أيْ مِنكُمْ: مُحَمَّد ﷺ ﴿عَزِيز﴾ شَدِيد ﴿عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ عَنَتكُمْ أيْ مَشَقَّتكُمْ ولِقاؤُكُمْ المَكْرُوه ﴿حَرِيص عَلَيْكُمْ﴾ أنْ تَهْتَدُوا ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوف﴾ شَدِيد الرَّحْمَة ﴿رَحِيم﴾ يُرِيد لَهُمْ الخَيْر
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ
١٢٩تفسير الجلالين: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنْ الإيمان بِك ﴿فَقُلْ حَسْبِي اللَّه﴾ كافِي ﴿لا إلَه إلّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت﴾ بِهِ وثِقْت لا بِغَيْرِهِ ﴿وهُوَ رَبّ العَرْش﴾ الكُرْسِيّ ﴿العَظِيم﴾ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أعْظَم المَخْلُوقات ورَوى الحاكِم فِي المُسْتَدْرَك عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قالَ: آخِر آيَة نَزَلَتْ ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُول﴾ إلى آخِر السُّورَة
سمّعها — وتُراجَع كل كلمة
اقرأ سورة التوبة بصوتٍ عالٍ، برواية حفص أو قالون، ويُعلِّم منهجي كل كلمة أثناء قراءتك: أخطاء الحروف والتشكيل، والكلمات المتروكة، والكلمات الزائدة. ويمكنك إخفاء النص والتسميع من حفظك. هو رفيق تدريب قد يخطئ، وليس بديلاً عن معلّم متقن.